الشنقيطي
37
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كأنه في العز قيس بن عدي * في دار سعد ينتدي أهل الند تزوج امرأة من كنانة تسمى « الغيطلة » وهي أم بعض أولاده ؛ فسمي بنو سهم الغياطل ؛ لأن قيس بن عدي المذكور سيدهم . فهذه الآيات القرآنية تدل على أن اللّه قد يعين المؤمن بالكافر لتعصبه له ، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين ؛ وقد يكون من منن اللّه على بعض أنبيائه المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليهم . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » « 1 » وفي المثل : « اجتن الثمار وألق الخشبة في النار » . فإذا عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد ينتفع برابطة نسب وعصيبة من كافر ، فاعلم أن النداء بالروابط العصيبة لا يجوز ؛ لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في تلك الدعوة : « دعوها فإنها منتنة » « 2 » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « دعوها » يدل على وجوب تركها ؛ لأن صيغة أفعل للوجوب - إلا لدليل صارف عنه ، وليس هنا دليل صارف عنه . ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة ، وما صرح النبي صلى اللّه عليه وسلم بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه ، وإنما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد ؛ فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » « 3 » . وإذا تأملت قوله تعالى : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ المجادلة : 22 ] تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية ، وقد قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] وقال : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] . ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية ، لا بروابط عصبية ، ولا بأواصر نسبية .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الجهاد حديث 3062 ، والمغازي حديث 4203 ، والقدر حديث 6606 ، ومسلم في الإيمان حديث 178 ، والدارمي في السير 2 / 140 ، وأحمد في المسند 2 / 301 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4905 و 4907 . ( 3 ) أخرجه عن النعمان بن بشير البخاري في الأداب حديث 6012 ، ومسلم في البر حديث 66 .